فخر الدين الرازي
453
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
خرج ضرب لم يفد البتة ، فعند هذا قالوا : تقدير الكلام ثم بدا لهم سجنه ، إلا أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم ، وأقول : الذوق يشهد بأن جعل الفعل مخبر عنه لا يجوز وليس لأحد أن يقول الفعل خبرا فجعل الخبر مخبرا عنه لا يجوز ، لأنا نقول : الاسم قد يكون خبرا كقولك : زيد قائم فقائم اسم وخبر فعلمنا أن كون الشيء خبرا لا ينافي كونه مخبرا عنه ، بل نقول في هذا المقام : شكوك أحدها : أنا إذا قلنا : ضرب فعل فالمخبر عنه بأنه فعل هو ضرب ، فالفعل صار مخبرا عنه . فإن قالوا : المخبر عنه هو هذه الصيغة وهي اسم فنقول : فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل اسم لا فعل وذلك كذب وباطل ، بل نقول المخبر عنه بأنه فعل إن كان فعلا فقد ثبت أن الفعل يصح الإخبار عنه وإن كان اسما كان معناه : أنا أخبرنا عن الاسم بأنه فعل ومعلوم أنه باطل ، وفي هذا الباب مباحث عميقة ذكرناها في « كتب المعقولات » . المسألة الثالثة : قال أهل اللغة : الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه ، وعلى الطويل ، وقال ابن عباس : يريد إلى انقطاع المقالة وما شاع في المدينة من الفاحشة ، ثم قيل : الحين هاهنا خمس سنين ، وقيل : بل سبع سنين ، وقال مقاتل بن سليمان : حبس يوسف اثنتي عشر سنة ، والصحيح أن هذه المقادير غير معلومة ، وإنما القدر المعلوم أنه بقي محبوسا مدة طويلة لقوله تعالى : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] . أما قوله تعالى : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ فههنا محذوف ، والتقدير : لما أرادوا حبسه حبسوه وحذف ذلك لدلالة قوله : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ عليه قيل : هما غلامان كانا للملك الأكبر بمصر أحدهما صاحب طعامه ، والآخر صاحب شرابه رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه وظن أن الآخر يساعده عليه فأمر بحبسهما بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : كيف عرفا أنه عليه السلام عالم بالتعبير ؟ والجواب : لعله عليه السلام سألهما عن حزنهما وغمهما فذكرا إنا رأينا في المنام هذه الرؤيا ، ويحتمل أنهما رأياه وقد أظهر معرفته بأمور منها تعبير الرؤيا فعندها ذكرا له ذلك . السؤال الثاني : كيف عرف أنهما كانا عبدين للملك : الجواب : لقوله : فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً [ يوسف : 41 ] أي مولاه ولقوله : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [ يوسف : 42 ] . السؤال الثالث : كيف عرف أن أحدهما صاحب شراب الملك ، والآخر صاحب طعامه ؟ والجواب : رؤيا كل وأحد منهما تناسب حرفته لأن أحدهما رأى أنه يعصر الخمر والآخر كأنه يحمل فوق رأسه خبزا . السؤال الرابع : كيف وقعت رؤية المنام ؟ والجواب : فيه قولان : القول الأول : أن يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين ، هلم فلنختبر هذا العبد العبراني برؤيا نخترعها له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا . قال ابن مسعود : ما كانا رأيا شيئا وإنما تحاكما ليختبرا علمه .